محمد الريشهري

188

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

وسلبُوا السيوف أغمادَها ، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً ، وصفّاً صفّاً . بعض هلك ، وبعض نجا . لا يُبشَّرون بالأحياء ، ولا يُعزَّون عن الموتى . مُرْهُ ( 1 ) العيون من البكاء ، خُمص البطون من الصيام ، ذُبل الشفاه من الدعاء ، صُفر الألوان من السهر ، على وجوههم غَبرة الخاشعين ، أولئك إخواني الذاهبون ، فحقَّ لنا أن نظمأ إليهم ، ونعضَّ الأيدي على فراقهم " ( 2 ) . وقد عاد الإمام إلى ذكر أُولئك الأخلاّء في آخر خطبة ألقاها ، قبل عدّة أيّام من اغتياله ، فقال : " أين إخواني الذين ركبوا الطريق ، ومضوا على الحقّ ! أين عمّار ! وأين ابن التَّيِّهان ! وأين ذو الشهادتين ! وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنيّة ، وأُبرِدَ برؤوسهم إلى الفجرة ! " ( 3 ) . على خط آخر كان الخوارج جزءاً من جند الإمام ومقاتلي جيشه ، ثمّ ما لبثوا أن تحوّلوا بعد صفّين إلى موقع مناهض للإمام ، فكان مآلهم أن قتلوا في النهروان ، أو صاروا أحلاس بيوتهم . وبذلك غابت عن صفوف العسكر أيضاً هذه القوّة القتاليّة الوثّابة ، فصار الإمام عليّ ( عليه السلام ) وحيداً فريداً غريباً .

--> ( 1 ) هو جمع الأمْره ، وقد مرِهت عينُه تمْرَه مَرهاً ، والمَرَهُ : مرض في العين لترك الكحل ( النهاية : 4 / 321 و 322 ) . ( 2 ) نهج البلاغة : الخطبة 121 . ( 3 ) نهج البلاغة : الخطبة 182 .